شبكة الرواد الثقافية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

تلخيص / كتاب حوار الحضارات

أرسل إلى صديق طباعة

كتابنا اليوم يتناول مواضيع مختلفة هي في الأصل عبارة عن محاضرات نظمتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة تحت فعالية برنامج حوار الحضارات الذي تشرف عليه الدكتورة نادية مصطفى في موسمه الثاني ( 2002-2003 ).

الكتاب عبارة عن مجموعة من المحاضرات تثريها نقاشات عدة لن نضع لها اعتبارا في هذه الورقات خوفا من التطويل ، بل سنكتفي بالمحاضرات الأساسية والتي هي في الأصل مشاركات تم استكتابها من طرف أصحابها ، ويبقى الإشكال الحقيقي متمثلا في المنهجية التي سنتناول من خلالها هذه المواضيع؛ فهي محاضرات مختلفة الاهتمام متنوعة الموضوع، صحيح أنها تدخل تحت عنوان حوار الحضارات لكنها تتناوله من زوايا مختلفة ، وسيكون من الصعب أن نحاول صياغتها في مقال واحد ، وبما أنها مبوبة أصلا في محورين اثنين فسنعمد إلى تلخيص كل محور على حدة .

يتناول المحور الأول : قراءة في مسار حوار الحضارات، ويتناول الثاني : رؤى وأفكار حول حوار المحاضرات . أولا ـ قراءة في مسار حوار الحضارات : تندرج تحت هذا العنوان أربع محاضرات قدمها على التوالي كل من الدكتور / السيد ياسين ، والدكتور حسن حنفي والدكتور جورتر مولاك و الدكتور جون امبوزيتو ، وسنعرض صفحا عن الأخيرين بسبب الترجمة .

يعتقد الدكتور السيد ياسين أن حوار الحضارات بدأ في العصر الحديث مع بدايات عصر النهضة العربية حيث تعود البدايات الأولى للاحتكاك الحضاري مع الغرب ، وقد مثل هذه المرحلة رفاعة الطهطاوي الذي سجل ملاحظته وآراءه التي استخلصها من رحلته إلى الغرب في كتابات يمكن أن تعنون بأدب الرحلة . ولقد تناولت مواضيع أدب الرحلة كاتبة لبنانية معاصرة( الدكتورة نازك سابايرد ) عبر منهجية في غاية الأهمية من خلال كتابها الموسوم "أدب الرحلة في الفكر العربي الحديث " حيث اعتمدت فيه مفهوم الجيل لكي تحدد كيف أدرك الرحالة العرب الحضارة الغربية ، فأخذت مجموعة من الأجيال ابتداءاً من رفاعة الطهطاوي وحتى طه حسين ، وفي كل جيل كانت تنتقي رحالة مسلمين ورحالة مسحيين باعتبار أن الرؤى ستختلف باختلاف الخلفية الدينية والثقافية لكل من المسلمين والمسيحيين العرب . علما أن هذا المنهج قد بدأ مع المؤرخ المغربي عبد الله العروي ، إذ طرح في كتابه المعنون بـ" الإنجليزية العربية " ما يسميه بالنموذج المثالي الذي صاغه ماكس فيبر ؛ فاختار ثلاثة أنواع من الوعي العربي والإسلامي في مواجهة الفكر الغربي ، وأنواع الوعي هذه كانت كالتالي : الوعي الأول سماه وعي الشيخ ، والوعي الثاني وعي الليبرالي والثالث وعي التقنية. أما وعي الشيخ فقد كان يقصد به الأستاذ محمد عبده الذي كان يرى أن الإسلام لا يتعارض مع العلم وأنه يمكن تحديث الإسلام ليصبح نموذجا حضاريا مطبقا في المجتمع العربي ، وله في هذا المجال " الإسلام والعلم " ، ويمثل الوعي الليبرالي أحمد لطفي السيد الذي كانت نظرته سلبية تجاه التراث وكان يقول " دعونا من هذا التراث ولنطبق النموذج الغربي الأوروبي بالكامل سياسة واقتصادا واجتماعا " أما النموذج الثالث فيمثله سلامة موسى ذو الميول الماركسية آنذاك الذي كان يرى أن التصنيع والتكنلوجيا هو الحل في إطار فلسفة اشتراكية . ويتساءل المحاضر ما الذي حدث عبر الزمن لهذه الخطابات الثلاثة ؟ وهل لو حاولنا أن نقارن بين هذه الخطابات بعد 11 سبتمبر هل سنجد اختلافا أم لا؟ يؤكد المحاضر أنه قد حدث تدهور كبير في الخطاب الإسلامي الذي انزلق نحو العنف في مرحلته الأخيرة رغم أن الخطاب الإسلامي بدأ يتحول من النخبة ليكون خطابا شعبويا مع حسن البناء الذي كان يتبنى آراء أكثر انفتاحا ، ولكنه لم يحدد الأسباب التي جعلت الخطاب الإسلامي ينزلق نحو العنف مع التيارات المتطرفة المعروفة ، وسنجد أن الحملة التي تشن على الإسلام تتناول دائما هذا الخطاب المتطرف أساسا. أما الخطاب الليبرالي فهو في نظره يقوم على التسامح والاعتراف بالآخر والحوار وعدم نفيه وبالتالي فإنه احتفظ بنفس القيم بعد الحادي عشر من سبتمبر . بينما ظل الخطاب اليساري متصفا بالجمود العقائدي متمسكا بمنهجه التقليدي الذي يرفض الآخر رفضا مطلقا حتى بعد الحادي عشر من سبتمبر ولا يرى أصلا جدوى من أي حوار بين الشمال الغني والجنوب الفقير . وبالعودة إلى الأصول مرة أخرى ونتساءل ما ذا حدث منذ النهضة العربية الأولى وحتى الآن ؟ سنجد أن الحوار الممتد منذ فترة النهضة كان حوار أفكار يُعنَى أساسا برفض بعض القيم الغربية أو قبول بعضها الآخر وكان هذا هو موضوع الحداثة ، ومشروع الحداثة هو مشروع يقوم على عدة أسس يقدمها عالم الاجتماع الانخليزي جيدنز في النقاط التالية : 1. الفردية 2. العقلانية 3. الاعتماد على العلم والتكنلوجيا لحل المشكلات وليس على السحر أو التنجيم . 4. الواقعية في إجراء البحوث ( ما يمكن قياسه عكس التأملات الفلسفية ) . 5. تبني نظرة خطية في التقدم الإنساني هذه هي أسس الحداثة الغربية ، ونلاحظ أن أهم تلك الأسس العقلانية وهو الأساس الذي فتح جبهات الصراع مع الكنيسة الغربية ، وهو الأساس أيضا الذي أجج الخلاف والتصادم بين الحضارة الغربية والتراث الإسلامي لقد اعتبرت الحداثة العقل مصدرا لكل حقيقة ( إن العقل هو أكثر الأشياء قسمة بين الناس ) . ونجد الآن أن الاعتراف بفشل الحداثة العربية على كافّة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يؤسس لبداية مهمة يمكن أن ننطلق منها نحو التحديث مجددا ، فلقد انطلقت موجة من النقد الذاتي مع قسطنطين زيرق فاستحدثت ردود أفعال متعددة داخل الساحة العربية تناولت الرؤية العامة لبعض القضايا التي كانت تشغل الساحة الفكرية والثقافية مثل الماركسية والقومية والإسلاموية . ولا بد أن نعترف ونحن ننتظر نتائج النقد الذاتي هذا أن النقد الذاتي نفسه صناعة غربية ،وهو من أهم الأمور التي جعلت الغرب يتقدم ، والواقع أن حوار الحضارات يستدعي مستويين من النقد : نقد ذتي ، ونقد تحليلي لخطاب الآخر . وللإجابة على سؤال التحديث لا بد أن نجيب على السؤال التالي : لما ذا فشل الحكم الإسلامي عبر الزمن في أن يؤسس نظاما للشورى ؟ وفي صدد الإجابة على هذا التساؤل يركز المحاضر على غياب الخبرة الإنسانية في مستويات نظام الحكم الإسلامي حيث لا تستطيع النصوص وحدها أن تسد ثغرة الخبرة الإنسانية مهما كانت نجاعتها . وأخيرا يتساءل المحاضر : كيف نستطيع أن نصيغ إشكالية العلاقة مع الغرب ، فهل لدينا نظرية نقدية لتاريخنا كعرب ومسلمين تتسم بالموضوعية ؟ قطعا هناك رؤى ولكن قد تكون متناثرة ، والرؤية النقدية لا بد أن تشمل الحضارة الغربية من ناحية والثقافة الإسلامية من ناحية أخرى لنرى ما إذا كان الخطاب الإسلامي عبر تاريخه يؤسس لصدام من نوع ما أم لا ؟ وفي رأيي أن رواد النهضة العربية حاولوا المطابقة مع النموذج الغربي ولم يحاولوا الاختلاف معه .

وتحت عنوان تقييم حوار الحضارات قدم د.حسن حنفي رؤيته لموضوع حوار الحضارات ؛ فهو يرى أن تحركنا كعرب ومسلمين في هذا الإطار لا ينطلق من فهم موضوعي ، وإنما هو ردة فعل على مقال هاتنجتون عن صراع الحضارات من مداخل مختلفة دينية و أخلاقية وسياسية وتاريخية .. ويعتقد أنه لو لم يظهر ذلك المقال لما كان لموضوع صراع الحضارت أو حوارها أيّ صدى في منطقتنا ، فنحن قوم مولعون بالاستيراد ، ولسنا مشتغلين بأي قضية حقيقية كبرى تعكس همومنا وقضايانا الخاصة عكس ما هو حاصل لبعض الأمم الحية في العالم الثالث كالصين والهند مثلا بل ومعظم مناطق العالم الإسلامي غير العربية . وحوار الحضارات في حقيقة الأمر ما هو إلا مظهر من مظاهر صراع المصالح مما يعني أنه مجرد مقدمة لحرب كونية ثالثة تستهدف إجهاض قيام أي قطب في المنطقة العربية الإسلامية ، وفي هذا المناخ نجد المفاهيم المطروحة كالعولمة والحكم وحقوق الإنسان والمرأة تتولى تدشين هذا الصراع حيث تطفو هذه المفاهيم على السطح متحركة، ظاهرها الفكر وباطنها السياسة والمصالح ، وهي أجزاء من خطة تستهدف السيطرة على العالم في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة وتعكس التنسيق بين علماء ينتمون إلى مراكز أبحاث وجامعات وقادتهم السياسين من جهة أخرى . ورغم أننا نتحرك في منطقة رد الفعل وليس من مربع الفعل نفسه وأننا منفعلين ولسنا فاعلين ، ورغم خطط الغرب المستمرة للسيطرة علينا إلا أن التحول من صدام الحضارات إلى حوار الثقافات غير مستحيل ، بشرط أن نقلع عن التنظير صوب الممارسة، ونحاج الحوار يتطلب التكافؤ ولذلك لا بد أن يكون طرفاه على مستوى من الندية .

ثانيا : رؤى وأفكار حول قضايا حوار الحضارات في هذا المحور تأتي محاضرة الدكتور عبد الحميد أبو سليمان تحت عنوان قضية العنف رؤية إسلامية ، وكذا محاضرة الدكتور محمد السيد سعيد وهي بعنوان حقوق الإنسان ازدهار أم انكسار ، وأخيرا محاضرة الدكتور طه جابر العلواني بعنوان الإسلام والتعايش السلمي مع الآخر . أولا ـ قضية العنف رؤية إسلامية : يقدم الدكتور عبد الحميد أبو سليمان رؤيته للعنف بكثير من الأشجان والملاحظات التاريخية ، فلقد استطرد في بداية المحاضرة أشجانا ظلت تلاحقه في الصغر محَورَها في سؤال تقليدي كبير: لما ذا تخلف المسلمون ؟ ويعتقد انه بدأ يضع يده على الحلول من خلال كتابه أزمة العقل المسلم ، ويرى أن ثمة رؤية ستكون أكثر تقدما في تصور المشكل وتوصيف الحلول ستظهر في كتابه الجديد " الطفولة البعد الغائب في مشروع إصلاح الأمة " و هو يدور حول التساؤل التالي : كيف يمكن أن نهتم بالجانب الوجداني في تكوين الطفولة ؟ وهو من خلال هذه اللفتة الجديدة على عالم الطفولة يعتر أنه قد وضع يده على ما أسماه بمفتاح التشغيل الذي ستنطلق على إثره المركبة الحضارية للأمة . أما عن مسألة العنف فيعتقد المحاضر أن انطلاقته نحو تلك الإشكالية ستكون من حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( .. فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه ) فهذا الحديث قد لفت نظري كدارس للعلوم السياسية فبدأت أفكر : لما ذا منع الرسول الكريم هذا الرجل من حق الدفاع عن النفس ؟ فانصب اهتمامي على تتبع حياة النبي صلى الله وسلم السياسية وكيف أدار الصراعات التي عاشها كنبي وقائد لهذه الأمة . لقد خلصت من خلال دراستي للمسألة أن الرسول الكريم كان يميز بوضوح بين صراعين صراع داخلي وآخر خارجي ، فالصراع الداخلي مثلته حياته صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه داخل مكة حيث كانوا عرضة للإهانة والتعذيب في بعض الأحيان ومع ذلك لم يأذن لأصحابه في أن يمارسوا أي عنف حتى بعد أن ازداد حجم قوة المسلمين النوعي بإسلام عمر وحمزة وأرادا المناجزة أبى عليهما ذلك وكان دائما يقول ( إنكم قوم دائما تستعجلون ) ومرد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى ضرورة تماسك فئات المجتمع الداخلية وعدم دخولها في صراعات باعتبار أن الداخل هو الرحم أو المخزون الذي يمكن أن يستثار لصالح القضية في أية لحظة ، وفي هذا الصدد نستطيع أن نفهم رفضه صلى الله عليه وسلم لممارسة العنف فلم يكن من الصعب عليه أبدا في مكة المكرمة أن يأمر باغتيال أبي جهل أو أبي لهب ، لكن يبقى السؤال : لو فعل ذلك فهل ستنتصر له بنو هاشم ؟ وهل كانوا سيحمونهم ؟ . وعند ما ترك مكة وغادرها نحو المدينة تبدلت الرؤية لأن الصراع أصبح على مستويات خارجية أي في إطار العلاقات بين الدول وليس داخل المجتمع نفسه ، وفي العلاقات الدولية ثمة حلان دائما إما التفاوض أو الحرب ، ولقد ظلت الحرب مشروعة حتى قيام الأمم المتحدة وبعد أن منعت في عهد الأمم المتحدة حدث في الخمسين سنة الماضية أضعاف ما حصل منها في التاريخ . وفي إطار العلاقات الخارجية يمكن أن تصنف كتابات الرسول لقيصر وكسرى حيث كان صلى الله عليه وسلم مدركا لدور النخبة السياسية فكانت خطاباته تتضمن جملة معينة ( فإن توليت فإنما عليك إثمك وإثم الأريسيين ) فالعامة لن تستطيع أن تتحرك إلا انقيادا للصفوة السياسية ، ولذلك كان كل ما يطلبه المسلمون أن لا يعتدى على المسلم في أرضه وأن تترك له الحرية في اتخاذ الدين الذي يرى ، فليس القصد إرغام أحد وإنما هو حماية حق الإنسان في الاختيار . وتختلف الرؤية النبوية لشعب الجزيرة حيث كانت القبائل البدوية أقرب ما تكون إلى البدائية ، ولذلك لم يكن أمام الإسلام تجاه هذه القبائل إلا الحرب أو الإسلام لإخراج البدو من قيم الغابوية والبدائية إلى قيم الحضارة والاجتماع . وينتهي المحاضر في تكرير الرؤية النبوية للصراعات الداخلية والخارجية فالأسلوب السلمي هو الحل لأي صراع داخلي أما الصراع الخارجي فيحكمه العهد أو الحرب ، ولكن الإسلام في الصراع الدولي يحكمه قانونان هما : أن يكون العنف ردا على عدوان تعرض له المسلمون ، الثاني : هو عدم ممارسة الإسراف في العنف . وهذا ما تفقده الصراعات الدولية اليوم التي ترتبط الأهداف العسكرية لديها بالأهداف الاستيراتيجية والمدنية ولهذا نجد محطة قطار تضرب في الحروب الدولية بحجة أنها هدف استيراتيجي ، ولقد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة حينما رأى امرأة قتيلا فقال : ( ما كانت هذه لتقاتل ) ثلاثا بينما استهدف رجلا في السبعين من العمر لأنه كان عقلا يدير الحرب يوم حنين من جانب هوازن .

وتحت عنوان مستجدات النظام الدولي والعربي وحقوق الإنسان ازدهار أم انكسار ، قدم الدكتور محمد السيد سعيد محاضرته ، وركز في بداية محاضرته على مجموعة من المخاوف التي قد تحد من ألق حقوق الإنسان في العالم أجمع والعربي على التحديد منها مسألة الخصوصية التي تحتمي بها جهات معينة في منطقتنا كلما شعرت بالحرج من انتهاكها لحقوق الإنسان، ومنها أيضا بريق مصطلح حوار الحضارات نفسه الذي قد يشدنا نحو الماضي بينما نجد أن حقوق الإنسان ليس مفهوما ماضويا بل هو مفهوم يقود إلى المستقبل ، ومنها أيضا النظرة الدونية التي ينظر بها بعضنا إلى حقوق الإنسان بوصفها حقوقا أمريكية وأنتم تعلمون مكانة أمريكيا في النفوس المستضعفة في منطقتنا ، ويركز المحاضر على أن مسألة حقوق الإنسان مسألة استجمعت خصائصها عبر التاريخ وشاركت في صياغتها مختلف الحضارات والثقافات عبر محطات عدة من تطورها حتى بعد إعلانها نهاية العرب العالمية الثانية ، ولكنه لم يغفل ما يحدثه الربط بين حوار الحضارات وحقوق الإنسان من إيجابية تمثلت في التفاعل عبر شوارع العالم أجمع ضد الإرادة الاميريكية 2003م التي تجاوزت هذه الحقوق منتهكة سيادة الدول وحرمة حق تقرير مصير الشعوب . ويلاحظ المحاضر أن ذلك التفاعل ظل خارج الشوارع العربية مما يدل على أن مسألة حقوق الإنسان مسألة ثقافية أيضا نابعة من داخل المجتمعات وتحتاج بيئة ثقافية تستوعبها وتعمل على حمايتها ، إلا أنه استطاع أن يقدم صورة من التعاون والتطابق لدى بعض المؤسسات الاجتماعية كان غاية في الأهمية مثل ما حصل في إطار الحوار الإسلامي الكاثولوكي للوقوف في وجه تشريع حقوق المثليين وتغيير طبيعة الأسرة . وهو موقف يؤكد على أن مسألة حقوق الإنسان أصبحت تتأسس على قيم مشتركة لها علاقة بالبشر ، وهذه المساحة المشتركة يمكن أن تكون منطقة يتم تحاور الحضارات ضمنها من أجل تطوير القيم والقواعد التي باتت مشتركة بين الجميع بوصفهم بشرا . ويتساءل أخيرا عن مدى صحة مقولة صراع الحضارات ؟ ويؤكد المحاضر على أن صراع الحضارات ليس مجرد أكذوبة بل هو واقع حقيقي قد يجر العالم إلى مساحة من الصراع الفعلي والحقيقي لا تحمد عقباه ، ويسجل المحاضر أن موقفنا الثقافي من هذه المقولة كان موقفا سكونيا إلى حد كبير ، علما أن صراع الحضارات أو صراع الثقافات مسألة لا تخص الثقافات الكبرى بل توجد صور مقلقة داخل كل ثقافة على حدة بما فيها ثقافتنا الإسلامية ،صحيح أن الخطر الأكبر في هذا الصدد يظل مرتبطا بمفهوم الرسالية أو النبوئية الدينية للعالم السياسي والاجتماعي بشكل عام ، هذه المشكلة واضحة في الحالة الأصولية المسيحية انطلاقا من فكرة المسيح المنتظر ، وواضحة أيضا بالنسبة لنا نحن المسلمين من خلال مفهوم عالمية الرسالة وما يترتب على ذلك من قضايا تتعلق بالجهاد الإبتدائي أي أننا مكلفون بنقل الدعوة إلى العالم الخارجي ولو عن طريق العنف ، وهنا لا بد أن أكد أن هذا الكلام قد تجاوزه العالم ولم يعد من الممكن أن يقام سلام عالمي على قاعدة من هذا النوع إطلاقا ، فلا بد من مراجعته مراجعة عميقة وإحداث قطيعة حقيقية معه .

وتحت عنوان "الإسلام والتعايش السلمي " قدم الدكتور طه جابر العلواني رؤيته للإسلام وما يقدمه من حل للبشرية ، مذكرا بالرؤى العالمية التي سادت العالم قبل الإسلام من عهد الحيثيين في آسيا الصغرى و العهد اليهودي ثم المسحي حيث فشلت الرؤية العالمية التي كانت ترى إمكانية جمع العالم تحت راية موحدة وفي ظل فكر أحادي ، فغابت القواعد السليمة لبناء العلاقات بين الأمم والشعوب ، حتى جاء الإسلام بالرسالة الكاملة الخاتمة التي أقرت النبوات السابقة ، وأوضحت قواعد الاستخلاف والابتلاء والتسخير والأمانة لترسي بذلك قواعد الأمن ودعائم الاستقرار ومنطلقات السلام . وفي العصر المسحي المتأخر المسمى عصر التنوير كانت قد تلاقت الإرادتان ( الكنيسة التوراتية والسلطة الزمنية ) مرة أخرى في عمليات السيطرة والهيمنة والتخلص مما تسميه بالأديان الرجعية في المشرق ، واندفعت العقلية الأوربية المولعة باحتواء الآخر تعمل على تغيير أنماط حياة الآخرين وذهنياتهم وتحويل الآخر إلى ساحة استثمار مفتوحة لا مكان فيها لأي شكل من أشكال الخصوصية ، وفي هذا الاتجاه كرس العقل الغربي معارفه وعلومه ( العلوم الإنسانية ) وأثمرت هذه البيئة ما يسمى بعلم العلاقات الدولية الذي كان مشحونا بكل تلك التحيزات الفكرية التي أفرزت حروبا كونية وأخرى محلية شملت بلاد العالم أجمع، كل ذلك كان يتم لصاح العالم القوي والمتفوق ، إن المستوى الذي بلغته البشرية في عصرها الحديث كان مستوى هائلا على شتى الصعد وخصوصا في مجال العلم والتقنية إلا أن العقل الأوروبي وخلال تجلياته المعرفية قد انتهى في مستوى من التفكيك من خلال النقد والتحليل ، ولم تستطع البشرية أن تغادر مستويات التفكيك المدمرة والتي كانت ثمرة لجهود العقل العلمي المعاصر ، ونشعر أنه بات من الواضع أن البشرية لو استمرت في هذا الطريق لانتهى بها المطاف إلى العدم والاضمحلال ، ولاشك أن الإسلام قادر على أن يقدم حلا معرفيا لتلك المعضلة عبر منجهية تركيبية تعيد العقل البشري مكانته الحقيقية يتم من خلالها استعادة منطق الدين والدنيا من أجل السعادتين معا . وتبقى ثمة معضلات ماثلة في ذلك الطريق ينبغي تجاوزها منها الرؤية المشوشة التي رسخت في الأذهان عن طبيعة الانتشار الإسلامي واكتساحه للشعوب في بداية تكون الدول الإسلامية الكبرى ، بالإضافة إلى العقل الماضوي لدى المسلم نفسه والذي نشأ كرد فعل تجاه عمليات التفكيك والتخريب التي تعرض لها كيان الأمة في نهاية دولة آل عثمان حيث تولد لدى العقل المسلم ارتداد إلى الوراء جعله ينشدّ إلى ماضيه ويتمسك بحيثيات تاريخه ينظر إليه باعتباره نموذجا كاملا يجب التشبث به من أجل استعادة المجد والتقدم ، ويبقى التحدي الأكبر ماثلا في السؤال التالي : كيف يمكن تقديم الإسلام مصدرا للبديل الحضاري ؟ وكيف نعمل على إقناع البشرية بأن القرآن الكريم يحمل الحل ؟ يبقى أن نسجل أخيرا أن الطريق لن تكون مفروشة بالورود وأن الغرب الاستعماري سيحارب أي إصلاح يحصل تحت ظل الرؤية الإسلامية المعاصرة ، وهذا يعني أنه من واجبنا أن نشحذ كل الطاقات الممكنة لتجاوز تلك الصعوبات ، ولاستعادة المفاهيم الإسلامية الكبرى ألقها الروحي والحضاري خارج الإطار الذي عزلها فيه الغرب المستعمر ، ويمكن أن نأخذ من تلك المفاهيم مثلا مفهوم الجهاد الذي يأخذ مساحات شاسعة من المعاني والمحددات والوسائل والأدوات والمراتب والمستويات، وليس محددا في مجرد حالات استخدام القوة لحماية بيضة الإسلام والمسلمين بل هو مفهوم متصل تمام الاتصال بمقاصد الشريعة وبالقيم العليا الحاكمة : التوحيد ، التزكية ، العمران ؛ فكل قصد أو نية أو فكر أو اعتقاد أو عمل أو قول أو تخطيط يصدر من أهله يستهدف تعزيز هذه القيم الحاكمة فهو جهاد . ،